لطالما كان الفرق بين تحليل البيانات (Data Analytics) وذكاء الأعمال (Business Intelligence) محط نقاش في الأوساط المهنية. فالبعض ينظر إليهما كمجالين مختلفين، وقد يرى فيهما تنافسًا، بينما يخلط البعض الآخر بين المصطلحين ويظن أنهما يعنيان نفس الشيء.
والحق أن العلاقة بينهما ليست تنافسية بالمعنى المعتاد، فهما مترابطان ارتباطًا وثيقًا، إذ يعتمد أحدهما على الآخر، وعند دمجهما معًا، تتحول المعلومات إلى صورة أوضح وأكثر شمولية تساعد الفرق على فهم أداء العمل واتخاذ القرارات المناسبة.
لنشرح خلال هذا المقال الفروق والتكامل بينهما بطريقة واضحة وسهلة الفهم.
ما هو جوهر ذكاء الأعمال (Business Intelligence)؟
إذا أردنا شرح جوهر ذكاء الأعمال في جملة واحدة فبإمكاننا القول بأنه يشرح الماضي ويراقب الحاضر، فهو يركز على فهم ما حدث بالفعل في الماضي، ويُجيب على أسئلة مثل:
- ما حجم المبيعات الشهر الماضي؟
- كيف تغير الأداء مقارنة بالعام السابق؟
- أي منطقة حققت أداءً أفضل؟
- هل تتحقق مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs)؟
ويعتمد ذكاء الأعمال بشكل كبير على:
- لوحات المعلومات (Dashboards).
- التقارير.
- مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs).
- البيانات المُجمَّعة والمنظمة.
وتكمن وظيفة ذكاء الأعمال الرئيسية في خلق وضوح الرؤية والحالة الراهنة للأعمال وتتبع الأداء عبر الزمن.
ما يتضمنه تحليل البيانات؟
تأخذ تحليلات البيانات الأمور إلى مستوى أعمق، فبدلًا من التوقف عند سؤال ما الذي حدث، تُطرح الأسئلة التالية:
- لماذا حدث ذلك؟
- ما الأنماط الكامنة في البيانات؟
- ما الذي من المرجح أن يحدث في المستقبل؟
- ما الإجراءات التي يجب أن نتخذها؟
وغالبًا ما تشمل تحليل البيانات:
- استكشاف أعمق للبيانات.
- التحليل الإحصائي.
- استعلامات متقدمة.
- تحليل السيناريوهات.
- نماذج تنبؤية أو إرشادية في بعض الأحيان.
وتهدف تحليلات البيانات للفهم والتحسين، وليس مجرد الإبلاغ والتقرير، فهي تشرح الأسباب، وتستكشف الاحتمالات، وتدعم اتخاذ قرارات أفضل.
إذا كان الأمر كذلك، فأين يحدث اللبس والارتباك؟
غالبًا ما ينشأ اللبس من أدوات العمل، فالعديد من أدوات ذكاء الأعمال أصبحت تتضمن ميزات تحليلية، كما أن العديد من مسارات العمل التحليلية تنتهي بلوحات معلومات مشابهة. وهذا يجعل ذكاء الأعمال وتحليل البيانات يبدوان وكأنهما في حالة تنافس، لكن هذا ليس صحيحًا، فهما يعملان على مستويات مختلفة ضمن نفس العملية.
ولشرح الأمر ببساطة، لو تخيلنا أن العمل بالبيانات رحلة تتكون من محطات أو مراحل تتمثل في:
- جمع البيانات الخام.
- تنقية البيانات وتنظيمها.
- تلخيصها.
- تحليلها.
- التصرف بناءً عليها.
فسنجد أن ذكاء الأعمال يتركز بشكل أساسي في المرحلتين الثالثة والخامسة (التلخيص واتخاذ القرارات)، بينما تتركز تحليلات البيانات في المراحل المتبقية. ومن ثم فإن ذكاء الأعمال يجعل البيانات قابلة للاستخدام على نطاق واسع، أما تحليل البيانات فيجعلها ذات معنى.
هل يتنافس ذكاء الأعمال مع تحليل البيانات؟
الإجابة القاطعة لا، فهما لا يتنافسان على الدور نفسه، فذكاء الأعمال مُصمم لخدمة:
- المديرين التنفيذيين.
- فرق العمليات.
- أي شخص يحتاج إلى إجابات سريعة.
بينما تحليل البيانات مُصمم لخدمة:
- المحللين.
- فرق الاستراتيجيات.
- فرق المنتج والتسويق.
- أي شخص يستكشف أسئلة أعمق.
ومن ثم فإن محاولة استبدال ذكاء الأعمال بالتحليلات عادة ما تفشل، ومحاولة إجراء عمليات تحليل البيانات دون أساسيات ذكاء الأعمال تفشل أيضًا.
والسؤال المهم الذي يُطرح الآن:
كيف يكمل أحدهما الآخر في الفرق العملية؟
إليك فيما يلي شرح ذلك:
ذكاء الأعمال يضع الخط الأساسي
فلوحات المعلومات تسلط الضوء على:
- انخفاض في المبيعات.
- ارتفاع في التكاليف.
- تأخير في العمليات.
تحليلات البيانات تشرح السبب
فبمجرد ظهور المشكلة، تتدخل تحليلات البيانات لتقوم على:
- تقسيم البيانات إلى شرائح.
- مقارنة الأنماط.
- تحليل سلوك العملاء.
- تحديد الأسباب الجذرية.
فمن دون ذكاء الأعمال، قد لا تلاحظ الفِرَق المشكلة أبدًا، ومن دون تحليل البيانات، قد لا تفهمها أبدًا.
ذكاء الأعمال ينقل النتائج على نطاق واسع
بعد التحليل، تحتاج الرؤى المستخلصة إلى أن تُشارك، وهنا يعود دور ذكاء الأعمال للعمل على:
- تحديث لوحات المعلومات.
- ضبط مؤشرات الأداء الرئيسية.
- متابعة الفرق للتحسينات.
فالتحليلات تولّد الرؤى، وذكاء الأعمال ينشرها ويراقبها.
إليك مثالًا عمليًا
تخيل شركة تجزئة:
- تظهر لوحة ذكاء الأعمال انخفاضًا في المبيعات عبر الإنترنت.
- تُجري تحليلات أعمق وتكتشف أن مستخدمي الهواتف يتخلون عن عملية الدفع أثناء الخروج.، وزمن تحميل الصفحة زاد بعد آخر تحديث..
ثم يتم إصلاح المشكلة وبعدها تتابع لوحات ذكاء الأعمال التعافي أسبوعًا بعد أسبوع.
من خلال هذا المثال يتبين أنه لا يمكن لذكاء الأعمال وحده ولا لتحليلات البيانات وحدها التعامل مع هذا الموقف بالكامل، فهما يُكملان مسار العمل.
لماذا تحتاج الفرق الحديثة لكليهما وليس أحدهما فقط؟
في الممارسة العملية، نادرًا ما تفشل المؤسسات بسبب نقص الأدوات، بل لأنها تعتمد على طريقة واحدة فقط لاستخدام البيانات، فالفرق التي تركز فقط على ذكاء الأعمال غالبًا ما تواجه هذه المشكلات:
- تُظهر لوحات المعلومات الأرقام، لكن لا أحد يشرح سبب تغيّرها.
- يتم تتبُّع مؤشرات الأداء، لكن الفرق لا تستكشف ما وراءها.
- تُتخذ القرارات بناءً على مقاييس سطحية، دون تحليل أعمق.
على جانب آخر، فإن الفرق التي تركز فقط على تحليل البيانات تواجه مشكلات مختلفة:
- تبقى الرؤى محصورة في دفاتر الملاحظات أو العروض التقديمية ولا تصل إلى صانعي القرار.
- يُجرى التحليل مرة واحدة ثم يُنسى.
- لا توجد رؤية موحدة أو مشتركة للأداء بين الفرق.
واعلم أن أقوى المؤسسات لا تختار بين ذكاء الأعمال والتحليلات، بل تجمع بينهما، فذكاء الأعمال يجلب الوضوح، والاتساق، والفهم المشترك، بينما تسهم تحليلات البيانات في الاستكشاف، والتساؤل، والعمق.
وتُقَرِّب المنصات الحديثة بالفعل بين المجالين، لكن يبقى الفرق في النمط الفكري، وهذا مهم. وهنا تكمن مشكلة العديد من الفرق: فهم يوظفون محللين يجيدون التحليل لكن لا يجيدون التواصل، أو يبنون فرق ذكاء أعمال تُجيد إعداد التقارير لكنها لا تستكشف بشكل كافٍ.
يفهم معهد محترفي الإدارة IMP هذا التوازن، لذلك صُمِمَت دبلومة تحليل البيانات وذكاء الأعمال لتشمل كلا الجانبين النظري والعملي التطبيقي عبر التقارير المنظمة والتحليل العميق بطريقة تعكس كيفية عمل المؤسسات الحديثة بالفعل عبر تكامل المهارات والأدوات، لأنه في عالم الأعمال الحقيقي، الرؤية لا تكون مفيدة إلا عندما تُفهم وتُستخدم.
اتصل بـIMP لمعرفة المزيد عن دبلومة تحليل البيانات و ذكاء الأعمال وكيف تناسب أهداف فريقك التحليلية.
