تشير التقارير الحديثة إلى أن الجزء الأكبر من وقت فرق تحليل البيانات لا يُستنزف في التحليل ذاته، وإنما في تنفيذ مهام متكررة ومتشابهة مثل نقل البيانات بين الأنظمة، ومراجعتها، والتحقق من صحتها يدويًا. فقد أظهرت دراسات متخصصة أن نحو 94% من المؤسسات لا تزال تعتمد على عمليات روتينية قابلة للأتمتة، وهو ما يكشف حجم الهدر الزمني الذي تعانيه بيئات العمل المعتمدة على البيانات. وفي المقابل، تؤكد دراسات أخرى أن المؤسسات التي تبنّت الأتمتة في سير العمل استطاعت رفع إنتاجية موظفيها بنسبة تصل إلى 66%، كما يمكن أن يوفر تنفيذ الأتمتة في عمليات استخراج البيانات وتحويلها (ETL) بين 25٪ إلى 50٪ من تكاليف العمالة المرتبطة بهذه العمليات. وهذه المؤشرات لا تعكس تحسّنًا تقنيًا فحسب، بل تحوّلًا جوهريًا في كيفية توظيف وقت المحلل وقدرته الذهنية في ما يصنع قيمة حقيقية. ويبرز Power Automate بوصفه أحد الحلول المحورية التي قدّمتها مايكروسوفت لإعادة تشكيل واقع العمل التحليلي، فهو يتيح أتمتة تدفقات العمل عبر ربط التطبيقات والأنظمة المختلفة بسلاسة، وتشغيل العمليات الخلفية بصورة تلقائية، ما يحرر محللي البيانات من عبء التكرار ويمنحهم مساحة أوسع للتركيز على تفسير النتائج، واستخلاص الرؤى، ودعم القرار الاستراتيجي. لنتعرف معًا على Power Automate ودوره في تغيير المشهد في مجال تحليل البيانات، ولنبدأ بالتعريف.

ما هو Power Automate؟

Power Automate هي أداة سحابية من تطوير شركة مايكروسوفت، وتُعد جزءًا أساسيًا من منظومة Microsoft Power Platform، وتهدف إلى أتمتة سير العمل والمهام المتكررة داخل المؤسسات دون الحاجة إلى تدخل يدوي مستمر أو خبرات برمجية متقدمة. ويتيح Power Automate للمستخدمين إنشاء ما يُعرف بالتدفقات (Flows)، وهي مسارات عمل ذكية تعمل على ربط التطبيقات والأنظمة المختلفة ببعضها البعض، بحيث يتم تبادل البيانات وتنفيذ الإجراءات تلقائيًا بناءً على أحداث أو شروط محددة. فعلى سبيل المثال، يمكن للتدفق أن يبدأ عند وصول بريد إلكتروني، أو تحديث ملف بيانات، أو إضافة سجل جديد في قاعدة بيانات، ليقوم بعدها النظام بتنفيذ سلسلة من الخطوات بشكل آلي. وتكمن قوة Power Automate في قدرته على التكامل والربط مع مئات التطبيقات والخدمات سواء كانت من منتجات مايكروسوفت مثل Excel وـPower BI وـSharePoint وـTeams، أو أدوات خارجية مثل خدمات البريد، وأنظمة إدارة علاقات العملاء، وقواعد البيانات السحابية، ما يجعل الأداة مناسبة لمحللي البيانات وفرق الأعمال على حدٍ سواء، لأنها تختصر الوقت المهدر في نقل البيانات يدويًا، وتقلل من احتمالية الأخطاء، وتُسرّع دورة العمل التحليلي.

ما آلية عمل Power Automate؟

تقوم آلية عمل Power Automate على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها ألا وهي تحويل المهام اليومية المتكررة إلى تدفقات عمل ذكية تعمل تلقائيًا من دون تدخل يدوي. ولتحقيق ذلك، يعتمد Power Automate على مجموعة من المكوّنات المترابطة التي تعمل بتناغم داخل بيئة واحدة.
  • تبدأ أي عملية مؤتمتة داخل النظام بما يُعرف بالمُشغِّل (Trigger)، وهو الحدث الذي يُطلق التدفق، وقد يكون هذا الحدث وصول بريد إلكتروني، أو تحديث ملف Excel، أو إضافة صف جديد في قاعدة بيانات، أو حتى جدولة زمنية محددة.
  • بعد وقوع المشغّل، ينتقل التدفق إلى سلسلة من الإجراءات (Actions)، وهي الخطوات التي ينفّذها النظام تلقائيًا، وتشمل هذه الإجراءات مثلًا جمع البيانات، وتعديلها، ونقلها بين التطبيقات، وإرسال إشعارات، وتحديث لوحات Power BI، أو تشغيل عمليات تحليل إضافية. وتُنفَّذ هذه الخطوات بالترتيب الذي يحدده المستخدم، مع إمكانية إضافة شروط ومنطق تحكمي يقرر ما يحدث في كل سيناريو.
  • ويدعم Power Automate أيضًا الربط بين عشرات الأنظمة والتطبيقات من خلال ما يُعرف بالموصلات (Connectors)، ما يسمح له بالتعامل مع مصادر بيانات متعددة داخل المؤسسة وخارجها.
  • كما يمكن تعزيز التدفقات بمنطق متقدم مثل الحلقات التكرارية، والفروع الشرطية، والتكامل مع خدمات الذكاء الاصطناعي، بما يتضمن تحليل النصوص، ومعالجة البيانات، والتفاعل مع Power BI.
وبهذه الآلية، يتحول Power Automate من مجرد أداة تشغيلية إلى محرك خفي ينظّم تدفق البيانات، ويضمن وصولها في الوقت المناسب وبالصيغة الصحيحة، ويُسهم في بناء بيئة تحليل بيانات أكثر انسيابية وكفاءة.

ما الذي يتغير في دورة تحليل البيانات عند اعتماد الأتمتة باستخدام Power Automate؟

بمجرد اعتماد الأتمتة داخل دورة تحليل البيانات، لا يقتصر التغيير على تسريع بعض الخطوات، وإنما يمتد ليشمل منطق العمل التحليلي نفسه. فباستخدام Power Automate تنتقل دورة تحليل البيانات من مسار مجزَّأ يعتمد على التدخل البشري، إلى مسار مترابط يعمل بتدفقات ذكية ومنسجمة. وهو ما نلحظه عبر مختلف الزوايا:

أولًا: جمع البيانات يصبح حدثيًا بدلًا من كونه مجهودًا دوريًا

صارت عملية جمع البيانات مهمة لا تُستدعى يدويًا في نهاية اليوم أو الأسبوع بفضل الاعتماد على Power Automate التي تُلتقط البيانات فور حدوثها عند تحديث ملف، أو إدخال سجل، أو وصول رسالة لتنتقل مباشرةً إلى الوجهة التحليلية الصحيحة.

ثانيًا: مرحلة التحضير تتحول من عبء زمني إلى مسار مؤتمت

تنقية البيانات، توحيد الصيغ، التحقق من القيم المفقودة أو التكرارات، كلها خطوات كانت تستنزف وقت المحلل، لكن الأتمتة تنقلها إلى تدفقات تعمل في الخلفية، فتصل البيانات إلى مرحلة التحليل وهي أكثر جاهزية واتساقًا.

ثالثًا: التحليل يتصل بالسياق التشغيلي في الوقت المناسب

فمن خلال التكامل مع أدوات مثل Power BI وTeams وSharePoint، لم تعد نتائج التحليل حبيسة التقارير، إذ تُرسَل الرؤى تلقائيًا إلى أصحاب القرار، وبصيغة متوافقة مع سياق العمل وتوقيته.

رابعًا: القرار يصبح أقرب إلى اللحظة

حين تختفي فترات الانتظار بين المراحل، تنتقل المؤسسة من التحليل المتأخر إلى التحليل الداعم للقرار اللحظي، وهذا الفارق وحده كفيل بإحداث ميزة تنافسية واضحة.

خامسًا: دور محلل البيانات يعاد تعريفه

أعادت الأتمتة تعريف دور المحلل، فبدلًا من الانشغال بالمهام المتكررة،  يصبح دور المحلل متمحورًا حول تفسير النتائج، واختبار الفرضيات، وصياغة التوصيات، ما يسهم في رفع سقف ما يُتوقع منه بسبب التركيز المنصب على استكشاف الأنماط الخفية واستخراج الرؤى القيمة من البيانات. بهذا المعنى، يغيّر Power Automate دورة تحليل البيانات من سلسلة مهام متفرقة إلى منظومة متكاملة تعمل بانسيابية لتتحرك البيانات بسلاسة، ويُتخذ القرار في وقته المثالي. ولأن هذا التحوّل في دورة تحليل البيانات لا يتحقق بالأدوات وحدها، بل بفهم عميق لمنهجية التحليل وبناء التدفقات وربط الأنظمة، يبرز دور دبلومة تحليل البيانات وذكاء الأعمال المقدّمة من معهد محترفي الإدارة (IMP) بوصفها مسارًا تدريبيًا يواكب هذا الواقع العملي الجديد. فالدبلومة لا تتعامل مع التحليل على أنه خطوات منفصلة، بل كمنظومة متكاملة تبدأ من فهم البيانات، وتمرّ بإعدادها ومعالجتها، وصولًا إلى أتمتة تدفقها وربطها بلوحات ذكاء الأعمال وصناعة القرار. فيتعلّم المتدرّب من خلالها العمل على أدوات مثل Power BI وPower Query وSQL وPower Platform ضمن سياق واحد مترابط، ما يمكّنه من استيعاب دور الأتمتة، لا بوصفها إضافة لاحقة، وإنما كجزء أصيل من دورة التحليل الحديثة. بهذا الشكل، تهيّئ الدبلومة محلل البيانات للتعامل مع بيئات عمل تعتمد على الأتمتة والذكاء التشغيلي، وتساعد الأفراد والفرق على الانتقال من التحليل اليدوي التقليدي إلى تحليل أكثر نضجًا، وانسيابية، وتأثيرًا في القرار. فإذا كنت تسعى لتطوير مهاراتك أو مهارات فريقك فرسالة واحدة تكفي لمعرفة تفاصيل الدبلومة والانضمام إليها. تواصل الآن.